المؤمن: أين المراعاة للمواطنين ووزارة الداخليّة تواجه اجتماعاتهم السلميّة بكلّ عنف
خطبة الجمعة للشيخ عيسى بن رضي المؤمن
جامع الخيف - قرية الدير
29 ربيع الأول 1430هـ - 27/03/2009م
أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وعلى أهل بيته الطّيّبين الطّاهرين، وأصحابه المنتجبين.
السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.
أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَالله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. سورة البقرة: 213
• الأمّة
حديثنا - كما قلنا - في الأسبوع الماضي سيتركّز على الأمّة، وقلنا: إنّ الحديث سيكون ضمن عدّة عناوين، وبعض العناوين التي تتصل بهذا الموضع وهو الأمّة أوّلها معنى الأمّة، ثم المقصود بالأمّة الواحدة - وقد ذكرنا هذا المعنى الأسبوع الماضي -، ثم قلنا: سنتحدّث عن الأمّة المقصودة في القرآن، ثم بعد ذلك نأتي إلى عناوين أخرى - كما ذكرناها سابقًا -.
قلنا: إنّ القرآن الكريم يحدّد، أو يوضّح أنّ للأمّة الإنسانيّة ككلّ ثلاثة أدوار، أو ثلاث مراحل:
الأول: دور الوحدة
الثاني: دور التّشتّت والاختلاف
الثالث: دور النّبوّة والرّسالة
* الإنسان كان أمّة واحدة
فأول ما وجد الإنسان على وجه الأرض كان متّحدًا يعيش مع بعضه من دون نزاع، أو اختلاف ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يونس:19، فالإنسان أول ما وُجد كان أمّة واحدة، لأنّة مفطور على الاجتماع والتّعاون، وكما يقال: إنّه (مدنيّ بالطّبع)، ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء حاجاته الحيويّة، فأخذ يتصرّف في المادة، فيعمل منها سكينًا للقطع، وإبرة للخياطة، وإناء للشرب، وسلّمًا للصعود، واستخدم النبات للغذاء واللّباس والسكن، كما انتفع من الحيوان في استخدام لحمه وجلده.
ثم رأى أنّه لا بدّ له أنْ ينتفع بغيره، وغيره ينتفع به وهذا يستلزم منه اتخاذ المدنيّة والاجتماع التّعاونيّ، كما يلزمه الحكم بلزوم استقرار الاجتماع بنحو ينال كلّ ذي حقّ حقّه، وبتعادل النسب والرّوابط وهو العدل الاجتماعيّ.
ولكن اختلاف القدرات لدى الناس يجعل القويّ منهم يتجاوز حكم الاجتماع التّعاونيّ، وحكم العدل الاجتماعيّ، فلا يراعي حينئذ حقّ الضّعيف، فيسلب ما عنده، ويستغلّه، وينهب ماله، ويسرق عرقه وجهده، فينشأ الاختلاف حينئذٍ والتنافي بين الأغراض والتناقض في المنافع، وهي مرحلة التّشتت والاختلاف، ثم تأتي مرحلة رفع هذا الاختلاف بإرسال الرّسل والأنبياء (عليهم السلام) ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ البقرة: 213.
* الاختلاف بين الناس نوعان
فظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التّشريع الذي هو عبارة عن جعل قوانين كليّة بموجب العمل بها ارتفاع الاختلاف، ونيل كلّ ذي حقّ حقّه، ومنع القويّ من سلب الضعيف والاعتداء عليه، والآية الكريمة تبيّن أنّ الاختلاف بين الناس نوعان:
الأول: اختلاف من حيث المعاش
وهو الذي يرجع إلى الدّعاوى حيث ينقسم بموجبة الناس إلى مدّعٍ ومدعى عليه، وظالم ومظلوم، ومتعدٍّ ومتعدّى عليه، وآخذ بحقّه وضائع حقّه، وهذا الاختلاف أمر فطريّ رفعه الله تعالى بوضع الدين، وبعث الأنبياء (عليهم السلام)، ونزل الكتب ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
الثاني: اختلاف في الدّين
وهذا النّوع من الاختلاف ليس فطريًّا، بل هو بسبب العلماء - علماء الكتاب -، وليس بما يقتضيه طبع الإنسان حيث إنّ اختلاف العلماء في فهم الكتاب، أو معرفة المقصود منه وممّا فيه من أحكام ينتج الاختلاف بينهم، وهؤلاء يكونون في النهاية فريقان ويتخذون طريقين: طريق هداية، وطريق ضلال.
فريق يسير ويهتدي بنور الله تعالى، وفريق عَمِيَ عن هذا الطريق، واتّبع الشيطان والنّفس الأمّارة فضلّ عن طريق الهدى ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾، فكان هذا الاختلاف بسبب أهل الكتاب بغيًا منهم، وظلمًا، وعتوًّا بعدما تبيّن لهم أصوله، ومعارفه، وتمّت عليهم الحجّة به.
وللحديث تتمة - إنْ شاء الله تعالى - في الأسابيع القادمة.
الشأن العام: ولي العهد ورعاية المواطن
في ترؤسه لاجتماع (مجلس التنمية الاقتصاديّة)، دعا ولي العهد إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مصلحة المواطن وظروفه الاقتصاديّة، وشدّد على أنّ عدم المسّ والاقتراب من أحوال المواطن والطبقة الوسطى إلا بالتي هي أحسن هو الهدف الثابت لنا جميعًا.
ونحن هنا نسأل ولي العهد:
1- هل المراعاة للمواطن تتمثّل في إثقال كاهله بالضرائب المرهقة المفروضة عليه من (ماء - كهرباء - صيّادين سمك - وأصحاب أعمال، و10 دنانير على كلّ عامل)؟
2- وهل المراعاة للمواطن تكون بقطع الكهرباء عن الكثيرين منهم ممّن عجزوا عن تسديد الفاتورة؛ لعدم قدرتهم الماليّة على ذلك كما حدث مؤخرًا حيث (عائلات في الشّاخورة احتجّت، واعتصمت، لأنّه قطعت عنها الكهرباء بسبب أنّها لا تستطيع الدّفع، ولقد ذكر أنّ العائلات أرامل!!! عائلة أرملة لا تستطيع أنْ تدفع فاتورة كهرباء، ولقد تراكمت عليها وليس لها عائل يعيلها سوى الشؤون الاجتماعيّة، وبعض المحسنين، ولقد بلغت مبالغ الفواتير حوالي 500، أو 600 دينار، وتأتي وتقطع عنها الكهرباء، فأين مراعاة المواطن؟!، أريد فقط جوابًا).
3- أم هل تكون المراعاة بقطع علاوة الغلاء عمّا يقارب من 75% ممّن يستحقّها؟
4- أم أنّ المراعاة تكون في بقاء أسعار السلع في البلاد على حالها من ارتفاع دون تغيّر؟، في وقت تغيّرت فيه الأسعار في العالم كلّه، وهذا في الوقت الذي تدّعى فيه الحكومة أنّ الأسعار انخفضت، ولكنّها تكذب في ذلك، وتسوق هذا الكلام للاستهلاك الإعلاميّ فقط حيث الواقع غير ذلك، وهذا ما صرّح، واعترف به النائب البرلماني عضو كتلة الوفاق في المجلس النيابيّ (جلال فيروز) حيث قال: إنّ الأسعار في البحرين لم تتغيّر منذ سنتين، وأنّ الفرق بين البحرين والسعوديّة في الأسعار يتراوح بين 30% إلى 40%.
5- أين المراعاة للمواطن في أنْ يكون عدد توظيفهم في عام 2008م من الأجانب هو (67453) بينما عدد المواطنين كان (9753) فقط، لتكون نسبة الأجانب 87% بينما نسبة المواطنين 13% فقط؟
6- هل المراعاة للمواطنين والعشرات منهم يبقون في المستشفى بدون أَسِرَّة ملقون على الأرض ولمدّة تصل إلى أسبوعين أو أكثر، حيث إنّ العدد يتراوح في كلّ شهر من هذه النسبة بين 40 إلى 50 شخص؟
7- أين المراعاة للمواطنين ومئات العاطلين وأكثرهم جامعيون وما زالوا يطالبون بوظائف تليق بشهاداتهم، وهاهم ينفذون الاعتصام تلو الاعتصام دون أذن تسمع، أو عين ترى؟
8- أخيرًا: أين المراعاة للمواطنين ووزارة الداخليّة تواجه اجتماعاتهم السلميّة الحتميّة بكلّ عنف وقسوة وقوّة مفرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع، والرّصاص، المطاطيّ، و(الشًّوزن) الذي اخترق أجساد الكثيرين منهم ومَن كانوا يطالبون بمطالبهم العادلة الحقّة، ومن بينها إطلاق سراح أهلهم والمعتقلين من إخوانهم الأبرياء؟
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلِّ اللهم على محمّد وآله الطّاهرين.