 خطاب الشيخ عيسى قاسم نهاية هذا الأسبوع وضع يده على
جرح غائر لم يندمل بعد وهو الملف الدستوري الشائك ، الذي شاءت الظروف أن يقر بطريقة
ملتوية غير شفافة بالرجوع إلى فئة تم اختيارها بعناية لترسم خارطة الطريق وفق
الرؤية الحكومية وهذا ما يفسر تسميته بدستور المنحة.
دستور المنحة لا يمثل فئات الشعب على اختلاف مرجعياتهم الحزبية والمذهبية ، ولا
يمكن أن يكتسب صفة قانونية ملزمة حتى للجمعيات المشاركة في المجلس النيابي لأنه وضع
بشكل منفرد .
لو قرأنا ما وراء السطور لخطاب الشيخ ربما توصلنا لنتيجة مفادها أن الشيخ لاحظ أن
هناك حملة قوية لصرف الناس عن الملفات السياسية العالقة كالتجنيس السياسي والملف
الدستوري والملف الإسكاني وملف الفساد المالي والإداري بافتعال الأزمات والاحتكاكات
الأمنية المقصودة وتدخل جهاز الأمن الوطني الأسبوع المنصرم يدخل في هذا الاتجاه
لشغل الناس عن قضاياهم الرئيسة وفي لفة سياسية محسوبة أراد أن يلفت الأنظار أن
الأزمة في البحرين ليست أزمة أمنية أو طائفية كما تحاول السلطة إبرازها للناس بل
الأزمة سياسية محضة.
هناك شعب مغلوب على أمره ترتكب في حقه أبشع أنواع القمع السياسي والإلغاء الوجودي
ويراد له أن يخضع للسلطة ويسبح بحمدها وجلالها دون أن يناقش أو يجادل أو يعترض أو
يراقب أو يصدر أحكاما ملزمة للحكم ولهذا لا يستطيع المجلس النيابي المنتخب أساسا
بطريقة ظالمة في توزيع دوائرها الانتخابية أو التدخل المباشر من السلطة بدعم بعض
المرشحين عن طريق المراكز العامة وإعطاء مجلس الشورى المعين صلاحيات تفوق صلاحيات
المجلس المنتخب أن يشرع أو يراقب السلطة.
المطلوب اليوم هو مراجعة هذا الملف من أجل الإصلاح الدستوري الذي يعتبر حجر الزاوية
في أي إصلاح سياسي ، فلا يمكن أن يكون هناك تقدم سياسي يرضي جميع الأطراف دون دستور
عقدي متفق عليه .
المملكة الدستورية كما يحلو للسلطة تسميتها تعتمد في الأساس على الدستور وتؤمن
بمرجعية الدستور عند الاختلاف .
الأزمة الدستورية يمكن علاجها بتكوين لجنة تمثل جميع فئات المجتمع البحريني على
اختلاف أطيافهم ويعطون فترة محددة لكتابة المواد والنصوص القانونية المراد الرجوع
إليها كمرجعية سياسية تبين حقوق وواجبات المواطنين ومن ثم التصويت على مسودة
الدستور في استفتاء شعبي عام يشترك فيه جميع المواطنين وبعد ذلك يمكن تعديل هذا
الدستور في المجلس النيابي المنتخب بطريقة عادلة وتغيير بعض المواد أو تعديلها أو
إلغاءها بشكل توافقي ودون ذلك لا يمكن أن يكون هناك إصلاح دستوري .
ستبقى الأزمات السياسية تطفو على السطح بين الفينة والأخرى إذا كان الأساس الدستوري
مختلف عليه ، وإذا أرادت السلطة استتباب الأمن دون أن يكدر صفو حياتها شيء فلا بد
أن ترجع لشعبها تتفق معه وفق الآلية التي يريد أن يحكم بها . وتلك هي الديمقراطية
بعينها وهي أصلح أنواع الحكم التي توصل إليها الإنسان في العصر الحديث .
فلتنظر البحرين إلى الشعوب الغربية فبرغم قلة إمكانيات الدول الأوربية وقلة مواردها
ومصادر الطاقة لديها إلا أنها تعيش حياة مترفة وتتنفس الحرية التي لا تشترى بثمن
بعكس ما هو موجود عندنا من وجود تكدس في الأموال بسبب ارتفاع برميل النفط إلا أننا
نعيش حالات الفقر ونحتاج إلى علاوات غلاء المعيشة حتى نستطيع أن نعيش وما ذلك إلا
ثمرة رجوعهم إلى النظام الديمقراطي والدستور العقدي فهل نتعلم منهم ؟
|