 حاولت أن أحصر أهم الأحداث حيث كنت موجودة في يوم
السبت الأسود وحضرت الحصار كاملا إلى حين اعتقال الشيخ،
وكان اعتقالي في تاريخ 8/5 في أيام عيد الأضحى، وذلك غير قانوني لأنه لا يجوز
الاعتقال في يوم الإجازة.
وهنا أود أن أنوه : إخوتي لا يسمحون
بالكلام في هذا الموضوع، ولا يسمحون لي أن أتكلم به، لذلك أنا الآن أتحدث بغير
إذنهم، ويعود رفضهم الحديث في الموضوع لوجود أسماء قد تسبب فتنا إن ذكرت، ونحن نريد
الوحدة لا الفتن.
ومن أمثلة ذلك أنني لم أستطع ذكر الأسماء بسبب رفض إخوتي عندما أجرى خالد أبو أحمد
الصحفي بصحيفة الوسط مقابلة معنا أنا ووالدتي بحضور إخوتي.
لكن موافقتي على هذه المقابلة معكم هي تصرف فردي، وأتوقع أن ألاقي اللوم
والعتاب من قبل إخوتي، على إثره، لذا سأحاول قدر المستطاع ألا أذكر أسماءً، من أجل
الوحدة أيضا. لكني أرى أن هناك أمورا ذات أهمية، وأرى أن
والدي قد ظلم بشدة، وهي حقيقة لابد أن تؤرخ، ومن حق الشعب أن يعرف تلك الحقائق سواء
دفاعا عنه، أم للتاريخ، ولئلا تطمس الحقيقة في يومٍ ما.
لقد عاصرت الانتفاضة الأولى ( عام 1988)وأعتقل زوجي وأخي، وفصل أبي من عمله في
القضاء، واستمرت موجات البلاء إلى الانتفاضة الثانية، وهناك أشخاص عاصروا الحادثة
لا أود ذكر أسمائهم لئلا اقفل باب التوبة في أوجههم، أو أسبب فتنة ما.
ولنبدأ ما قبل الحصار: الانتفاضة الأولى لم تكن شعبية
مئة بالمائة، حيث لم تقتصر إلا على قرية بني جمرة والبلاد وبعض القرى القليلة، كما
أنها لم تكن محددة المعالم، بل كانت تلقائية وجاءت كرد فعل على مذبحة الحرم المكي
(عام 1987م)، وقد بدأها الشيخ عيسى قاسم بشجب الوجود الأمريكي في الخليج، وكنا لأول
مرة نسمع هتافات التكبير و ( الموت لأمريكا ) في البحرين، بعدما تفاعل الناس معها،
وهكذا توسعت فانتقلت إلى مساجد ومآتم البحرين، وأصبح الشجب والاستنكار في كل مكان
وبقيادة جميع العلماء الذين كانوا جميعهم على خط واحد.
أذكر في تلك الفترة أن الشيخ أحمد العصفور طالما كان يستنكر ما حدث من على المنبر،
في ليالي شهر محرم الحرام، والجميع قد تفاعل معه ومع القضية.
وبالتحديد بدأت هذه الفترة منذ عام 1987، ولكنها أخذت تتراجع شيئا فشيئا في
مناطق البحرين، ولكن والدي الذي كان يصلي في جامع الإمام زين العابدين في بني جمرة
الذي افتتح في العام ذاته، استمرت عنده الهتافات في كل أسبوع، ويتعرض لأمور سياسية
ومطالب شعبية، والتي كانت من خططه منذ زمن بعيد باستثناء الهتافات، التي سببت
مشكلة، فقد احتجت السفارة الأمريكية وطالبت برد الاعتبار.
ثم جاء الاحتفال بيوم القدس العالمي في آخر جمعة من شهر رمضان في عام 1988م، وتمت
مراسمه في جامع الإمام زين العابدين، وقد اعتبر هذا الاحتفال من أضخم الاحتفالات
التاريخية في ذلك الوقت، وحضره جمع غفير. ولكن منذ تلك الليلة هجمت المباحث وقوات
الشغب وطوقت الجامع واعتقلوا بعض الشباب وعلى رأسهم الأستاذ عمران حسين. ولم تتوقف
حركة الاعتقالات داخل البحرين فقط وإنما وصلت إلى اعتقال الشباب البحريني الذي يدرس
في مصر بتهمة انتمائهم إلى حزب الله ومن بينهم محمد الهندي و هو طالب يدرس الطب.
واستمرت الاعتقالات بالمئات وتزامن ذلك مع إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية في
الخليج من قبل القوات الأمريكية.
وفي عام 1988 كانوا يستدعون أبي بشكل يومي للتحقيق، إلى أن جاء شهر محرم الحرام حيث
تم تهديد أبي بأمور كثيرة من أجل أن يتوقف عن الحديث السياسي والهتافات، وإن لم
يحدث هذا فسيتم إحضار الدبابات.
لقد كان أبي دائم التواصل والمناقشة حول الأمر مع الشيخ عيسى قاسم وباقي العلماء ،
ولم يتوقف الأمر من قبل العلماء، ولا أعلم السبب بالتحديد، ولكن الاعتقالات استمرت،
وقبع الشباب خلف السجون، ومن أراد الخروج فعلى أهله دفع فدية ليخرجوه، بشرط عدم
الحديث حول ما حدث داخل المعتقل، وقد اتفق بعض المحامين مع العقيد، على أن يدفع
أهالي المعتقلين ثلاثة آلاف دينار ليتم الإفراج عن المعتقل،ثم تقسم مناصفة بين
الضابط والمحامي. ولكن الحالة الاجتماعية لبعض أهالي
المعتقلين لم تكن تسمح بدفع هذا المبلغ الكبير.
في تاريخ 18/8/1988 تم اعتقال زوجي مع مجموعة من الشباب، وبعدها بخمسة أيام تم
اعتقال أخي محمد جميل، ثم بعد يومين تم استدعاء والدي وأقيل من القضاء بتهمة تأسيس
حزب سياسي معارض، دون أن تكون هناك أدلة على ذلك ، كما أن إقالته كانت بشكل غير
قانوني حيث لم يصدر مرسوم بإقالته، بل جاءت عن طريق الوزير بشكل لفظي، أثناء أدائه
لعمله. وفيما سبق كان والدي قد قدم استقالته بسبب أمور لم تعجبه في القضاء، ولكنها
رفضت، فلما أرادوا إقالته، جعلوه يوقع على طلبه القديم هذا، لئلا يكونوا مدانين من
قبل المنظمات السياسية ، أو منظمات حقوق الإنسان.
وقد وضع والدي ضمن القائمة السوداء لأكثر من بلد منها المملكة العربية السعودية،
والأردن وتركيا، حتى قبل إقالته من القضاء. وسحب منه جوازه.
بعد هذه الحادثة تمت محاكمتهم جميعا، بعد عامين، وكانت التهم أن والدي رئيس لحزب
سياسي تابع لحزب الله، وأخي قائد الجناح العسكري، وزوجي قائد الجناح الفكري. تم
إطلاق سراح جميع المعتقلين اللذين اعتقلوا معهم، ما عدا بعض الشباب وجهت لهم تهمة
الانتماء إلى الحزب، وحكم عليهم كالتالي: السيد جميل 3 سنوات، السيد علي 3 سنوات،
عبد الجليل 7 سنوات، محمد جميل 10 سنوات. أما والدي فلم يحكموا عليه بسبب تحركات
أخي منصور في منظمات حقوق الإنسان والمطالبة بحضور المحاكمة، مما أعاق عملية الحكم،
وبالطبع فإن الحكومة ترفض ذلك لأن المُحاكم قاضٍ وبرلماني سابق ، وعالم دين، وليس
هناك أدلة تدينه.
كنا نتابع القضية مع المحامي عبد الشهيد خلف ونقرأ اعترافات مزيفة دونتها الحكومة،
وقد كانت متناقضة في الزمان والمكان. وبالرغم من ذلك تم الحكم عليهم.
فقضوا جميعا مدة الحكم، وبقي والدي دون سفر، ومن دون أن يرى ابنه لمدة
سنتين. بعدها حدث تحسن نسبي أما بالنسبة إلى عبد الجليل فبقي 7 سنوات دون أن يراه
سوى مرة واحدة، أما منصور خرج من البحرين عام 1983ودخل خلسة سنة 1987.
|