 "لو كان الفقر رجلا لقتلته" مقولة عميقة لسيد
الموحدين وإمام المتقين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, أطلقها قبل 14 قرنا,
حيث كانت الحياة بسيطة خالية من التعقيدات المعاصرة, واحتياجات الإنسان كانت مقتصرة
على ضروريات بالإمكان إشباعها بالقليل من التكلفة.رغم ذلك فقد أطلق الإمام هذه
المقولة ليدل على مدى بشاعة الفقر وكراهية الإنسان له ومحاولة التخلص منه بأقسى
الوسائل.
ماذا عن عصرنا الحالي عصر التمدن و الحضارة والصناعة والتكنولوجيا التي أصبحت جزءا
لا يتجزأ من حياتنا واحتياجنا اليومي , عصر الاقتصاد والتجارة الرأسمالية, حيث
الربح اليسير السريع هو الهدف الأقصى والمنشود، والحديث هنا عن ربح يتعدى هامشه
أضعاف التكلفة، فقد فبات التاجر لا يكتفي بمضاعفة ربحه ومضاعفة سعر البضاعة بل يسعى
إلى أقصى حد ممكن من الزيادة, في ظل غياب الرقابة الفعالة والمحاسبة.
نسمع عن ارتفاع معدلات التضخم فقد وصلت في المملكة إلى 7% ونرى انعكاساتها على
أسعار المواد الاستهلاكية اليومية ولكن لا نسمع بخطط وبرامج توضع للحد من هذا
التضخم والحفاظ على أسعار البضائع من الارتفاع, فمعدلات التضخم وأسعار المواد
الاستهلاكية يجب أن ترصد وتراقب بدقة وبصورة دورية .كما أن التشخيص الدقيق
لاقتصادنا المريض والقيام بعملية جراحية جذرية وليست تجميلية إن لزم ذلك بات مطلوبا
أكثر من أي وقت مضى ، المطلوب من الحكومة وضع برامج عملية وواقعية تدعم المواطن
المغلوب على أمره فهو يرزح بين مطرقة الراتب الزهيد الذي لا يبقى منه شيئا مع منتصف
الشهر, وسندان الاحتياجات الضرورية لأسرته وتكلفتها والتي يعجز عن تأمينها. فعلى
الحكومة أن تعمل على إضافة المزيد من السلع إلى سلتها المدعومة ، ناهيك عن الحاجة
إلى إعادة تقييم الرواتب والعلاوات للموظفين في ظل الأعباء الاقتصادية الراهنة خاصة
إذا كنا نتحدث عن فوائض في دخل الدولة نتيجة للزيادة الهائلة في أسعار النفط
العوز والفقر مذلة والأصعب منه على الإنسان مد يد العوز للآخرين, والسؤال إلى أين
يتجه المواطن لسد حاجته دون إراقة ماء وجهه وكرامته!!! فأمام الصناديق الخيرية
طوابير من المحتاجين المعوزين حتى باتت لا تستوعب أي زيادة أخرى في الأعداد, من
ناحية أخرى البنوك لا ترحم عند الاقتراض منها فهي تثقل الظهر بأرباحها وفوائدها
ناهيك عن الشروط والقيود الموجودة لأخذ القروض, في خضم هذا كله يبات المواطن متوجسا
من الغد وما يحمله له من المزيد من التضخم والغلاء في الأسعار.
إن مشكلة الغلاء والارتفاع المضطرد في الأسعار لهي مشكلة يجب أن تتصدر أولويات
أجندة العمل لدى جميع القطاعات الرسمية والغير رسمية في الدولة ولا يمكن التحدث عن
حلول ترقيعية , مؤقتة وعلاجات تخفف الألم ولكن لا تبحث عن العلة الأساسية المسببة
للألم لتعالجه, نحن هنا بصدد الحديث عن حقوق المواطنة وفي صميمها العدالة
الاجتماعية وحسن توزيع الثروات وإدارة موارد الدولة, فمن حق المواطن أن يكون مكرما
في وطنه مكتفيا, يملك الأمان الاجتماعي والاقتصادي ويحس بقيمته كإنسان كرمه الله
على سائر خلقه خاصة إذا كان هذا الإنسان هو من أغلى وأثمن موارد الدولة متى ما
استثمرت صحيحا وكانت جوهر التنمية.
دون الالتفات إلى وحش الغلاء وتزايد شريحة الفقراء فإننا لا نستطيع أن نتكلم عن
إصلاح سياسي وما يواكبه من إصلاح اقتصادي, إن ركيزة أي إصلاح هو توفير رفاهية
المواطن واكتفائه بحيث يتسنى له المجال لاحقا لكي يشارك في عملية الإصلاح السياسي
والتنمية الشاملة ويكون جزءا من عملية صنع القرار, ما عدا هذا فالمواطن سوف يبقى
رهينة الفقر وغلاء الأسعار ويدور في دوامة العوز والإحباط وحينها لا تستطيع أن
تلومه إذا ما تمرد على واقعه وحاول تغييره.
|