 أن نعد العدة ونستجمع قوانا ونكون أشداء على أعداء
الوطن فهو أمر مشروع ومحمود العواقب بل واجب، لا يجب أن نتخاذل عنه أو نتهاون فيه,
لكن أن نتناحر ونحارب بعضنا البعض ضمن تيارات مختلفة في الوطن الواحد فهو أمر
مستنكر لا يقبله عقل ومنطق. ما يحدث في لبنان يبعث على الأسى, فالفصائل المختلفة
اعتمدت حرب الشوارع والعنف بدلا من الإدارة السلمية للخلاف والاحتكام إلى العقلانية
ومراعاة مصلحة الوطن. لا يوجد رابح في هذه العملية بل الجميع خاسر والضحية الرئيسة
هي الوطن ويتبعه المواطن, فاقدا أمنه واستقراره والبنى التحتية المؤمنة له الخدمات
الأساسية.
عجيب أمرنا نحن العرب نكرر أخطاءنا ولا نتعلم منها, مما يجعلنا أسراء الماضي وغرباء
المستقبل ، فها هي الحروب الأهلية السابقة في لبنان, ونتائجها تدخل حيز النسيان في
ذاكرة الجميع, والأغرب من ذلك أن ننغلق على أنفسنا منشغلين بحروب وحركات عنف
للتعامل مع مشاكلنا الداخلية ، فنستنزف مواردنا المالية والبشرية في الوقت الذي
يتربص بنا أعدائنا الحقيقيون على الحدود . فإسرائيل تتحين الفرصة لتثأر لكرامتها
وسمعتها كقوة عسكرية لا تقهر واللتان سحقتا على يد حزب الله في جنوب لبنان , وها هي
الفصائل اللبنانية تقدم لها هذه الفرصة على طبق من ذهب, أما أمريكا فإنها لن تتورع
عن التدخل في الشأن الداخلي في لبنان فهي قد نصبت نفسها الشرطي والقاضي في الوطن
العربي ومن حقها أن تخترق سيادة أي دولة فيها تحت أي ذريعة كانت .
إن ما يميز لبنان هو التعددية الموجودة في مجتمعه , والذي يفرض واقع وهو أنه لا
يمكن التوصل إلى نظام سياسي مستقر يلقى قبول ودعم المجتمع ، دون مشاركة جميع
الأطراف وتوافقها, فالديمقراطية التوافقية تعني احترام هذه التعددية ،فإقصاء طرف أو
أطراف والاستفراد بصنع القرار وخيم العواقب, كما أن استعمال القوة المفرطة ولي
الذراع لن يؤدي إلا إلى المزيد من العنف والتوتر, والاعتداد بالآراء وعدم التنازل
واتساع الفجوة بين الأطراف. من ناحية أخرى فأن تبادل الاتهامات والمزايدة على
الوطنية سوف تؤدي إلى تقليص فرص التوافق والسلام ونبذ العنف.
إن أمن لبنان وسلامة المواطن اللبناني هي مسؤولية مشتركة يتحملها كافة الأطراف ,
وهي مسؤولية تاريخية وسوف تحاسب عليها الأجيال القادمة جميع الأطراف المتنازعة
والمتناحرة,فمن حق هذه الأجيال التمتع بوطن امن ذو نهضة عمرانية وعلمية وتكنولوجية
،لا وطن نحر وترك لينزف ويتحول إلى جسد لا حياة ولا حراك فيه . والرابح في الصراع
القائم حاليا هو من يجنح إلى السلم ويكون سباقا في مد يد الصلح والتعاون والتكامل
إلى الآخرين, وهذا يعني التسامي على المصالح الفئوية الضيقة لأجل مصلحة الوطن وهي
ممارسة تقتضي توفر الإرادة الجادة لأطراف الصراع فالحرب ينشأ بإرادة منفردة وعلى
النقيض فالسلام يتطلب أرادات مجتمعة ترعاه وتحافظ عليه , وهي خطوة سوف تطبع في
ذاكرة الوطن والتاريخ فالوطن ملك الجميع وهناك هامش للعمل المشترك خارج ثنائية
الممارسة السياسية الحالية والتي تقتصر على نحر الوطن أو الاستفراد به متى توفرت
الإرادة لدى الأطراف .
|