 وجاءت الانتفاضة الثانية التي كانت ذات ملامح واضحة،
ومطالب مدروسة، وقد ضمت الطائفتين الشيعية والسنية. ولكن سياسة الحكومة الطائفية
جعل الجهة السنية تنسحب من الساحة.
اجتمع العلماء السنة والشيعة عام 1994، وقد سبقت هذا الاجتماع عريضة 1992 النخبوية،
وفي عام 1994 قدموا العريضة الثانية، وبدأت الأحداث وانسحبت الطائفة السنية، وبقي
التيار الليبرالي اليساري الوطني في خندق واحد مع التيار الشيعي، بعدما لعبت
الحكومة على وتر الطائفية.
استمرت الأحداث، وبدأ سقوط الشهداء بدءا (بالهانيين)، وفي ذلك الوقت لم يكن الشيخ
عيسى قاسم متواجداً، وبطبيعة ثقافة الناس في البحرين فإنهم كانوا يسيرون خلف
العلماء كالشيخ علي سلمان ووالدي الذي يجتمع بهم، ويذهب للصلاة على الشهداء.
في الأول من ابريل سقط العديد من الشهداء، وتم اعتقال الكثير، وفي نفس الليلة تم
الحصار، والهجوم على بني جمرة، واعتقال رجال المبادرة، وتم اعتقال زهرة هلال أم
حوراء بسبب نشاطها السياسي، وهي أم لأربعة أطفال، وقد ترسخت تلك الليلة في ذاكرتي،
فما حدث فيها أشبه بالخيال.
ومما زاد من شدة الوضع في هذا اليوم ، أن المخابرات أصحاب الخبرة قد اعتقلوا والدي
من قبل عام 1988، ولكن في هذه المرة أختلف الوضع فقد خرج الناس صغارا وكبارا للشارع
في مظاهرات منددين بما حدث، بعدما أعلنت والدتي في الجامع نبأ اعتقال والدي في وقت
الظهيرة.
كان خروج الناس في المظاهرات تلقائيا، ولم يطلب منهم والدي ذلك، وأحاطوا المنزل،
وقاموا برمي سيارة المخابرات بالحجارة، مما اضطرهم إلى إطلاق سراح والدي بعد
التحقيق مباشرة.
الوضع لم يتوقف إلى هنا، فالجماهير لم تبتعد عن منزلنا لمدة ثلاثة أيام متواصلة بعد
التحقيق، وكان المحقق هندرسون يجعل والدي يتصل بنا من سجن القلعة خلال فترة التحقيق
ليخبرنا بأنه سوف يعود بعد انتهاء التحقيق وذلك لغرض تهدئة الوضع.
في هذا الوقت كان أخي منصور قد أنهى دراسته بالخارج ويهم بالعودة للوطن، إلا أن
والدتي أخبرته بألا يعود في هذا الوقت حيث أن اسمه قد ورد في التحقيق.فأصبحنا بعد
ذلك ثلاث أسر تعيش في منزل واحد، واشتدت الظروف شيئا فشيئا.
في الأول من ابريل، خلال المظاهرة العفوية التي خرجت جراء اعتقال والدي، قامت قوات
الشغب منذ الساعة الثانية عشرة ليلا، بملء طرقات بني جمرة، والغريب أنهم كانوا
يعرفون كل الطرقات التي لم تخلُ من كمين هنا أوهناك.
في الساعة الثانية بعد منتصف الليل هجمت القوات بأعداد غفيرة، أشبه بجيش كامل يدخل
قرية، وأغلقوا جميع المنافذ. وكان هناك طاقم خاص كامل يحيط بمنزل والدي، وهجموا على
المنازل، وأيقظوا جيراننا النائمين، اللذين كانوا متعجبين مما يحدث.
وكانوا يهدفون بتطويقهم لمنزلنا قطع الاتصال بيننا وبين الجيران، وما أن فتحت عيني
في الساعة الثانية رأيت قوات الشغب داخل منزلنا، من غير أن يراعوا حرمة المنزل، أو
حرمة حجابنا، وكان من ضمنهم عقيد ( عادل فليفل ) الذي كان يأمرهم متلثما، ومن يراهم
بهذه الحال يعتقد أنهم يهاجمون أناساً مسلحين، رغم أننا نساء وأطفال عزل، والوحيد
الموجود معنا هو صادق.
أعداد قوات الشغب كانت تقدر بالمائة، داخل المنزل!وقد جلسوا في منزلنا لمدة
أسبوعين، بثوا الرعب والخوف فينا، مع تقييد حركتنا داخل المنزل. كما أنه تمت مصادرة
جميع الأجهزة من تلفزيونات و راديو، مع تفتيش المنزل باستمرار، وكنا نسمعهم يشتمون
أبي ، ومن ضمنهم عبد النبي الذي أهان أبي بشدة.وبعد انتهاء التفتيش، أخذوا يبحثون
عن الخمس، واستولوا عليه مع ذهب أختي .
وعندما طالبهم والدي بمذكرة التفتيش أجابوه بأن الأمر صادر من أعلى المستويات ( ولي
العهد )، هذا ما جاء على لسان عادل فليفل نفسه.
على مدى أسبوعين متواصلين لم نكن نعلم شيء عن العالم الخارجي سوى من برقياتهم التي
كانوا يرسلونها ويستقبلونها. كانوا يطعمونا على حساب الداخلية خبزا وجبنا مكتوب
عليه (19 مجرما )أي نحن النساء والأطفال بداخل المنزل. كان المنزل ضيق جدا ولا يسمح
للأطفال باللعب. ومعنا ابنة منصور الصغيرة التي لم يتجاوز عمرها آنذاك السبعة شهور
وكانت تبكي باستمرار.
أما عن صلاتنا، فقد كنا نصلي خلف والدي صلاة جماعة، ونقرأ القرآن والدعاء في تلك
الليلة، وفي الفجر سمعنا هتاف الله أكبر، وصوت إطلاق رصاص، ولكننا لم نعرف السبب،
الذي علمناه في الصباح وهو سقوط شهداء، وقام بعض الجيران بكل جرأة بفتح السماعات في
المسجد وأعلنوا أن مكروها أصاب الشيخ، فخرجوا بعد صلاة الصبح لمواجهة الشغب، ومن
أمثالهم الشهيد محمد جعفر الذي لم يأبه بالتواجد المكثف لقوات الشغب، ومثله الشهيد
محمد علي، وفيما هم في طريقهم للتجمع اصطدموا بقوات الشغب، فتراجعوا إلى ( نخيل
النبي )وتفاجئوا بكمين حيث أطلق الشغب عليهم الرصاص، فمنهم من سقط شهيدا، ومنهم من
أصيب مثل محمد حبيب الجمري الذي أخذ يزحف حتى وصل لأحد البيوت، وقد استقبله أصحابه
بذهول شديد بسبب إصابته.
أما الشهيد محمد جعفر فقد قتل عن قرب حيث أصيب فجاء له شرطي، وقلبه ، فضحك الشاب،
مما أثار الشرطي الذي سأله عن سر ضحكه ، فأجابه : لأنك كلب وواضع رجلك على صدري،
فأفرغ رشاشه في صدر الشهيد، وكان استشهاده كاستشهاد ابي عبد الله الحسين (ع).
بعد أسبوعين من الحصار دخل رجال الأمن إلى منزلنا واعتقلوا والدي، وعند سؤالنا عن
موعد عودته فأجابونا ( يعتمد عليه ).
فودع والدي والدتي وقال لها لن أتنازل، وبقي خمسة أشهر إلى حين المبادرة
|